لكي لا تتكرر محرقة الموصل والرقة في إدلب

ahwazna - ahwz.tv – قناة الأحواز الفضائية - لكي لا تتكرر محرقة الموصل والرقة في إدلب -تردد قناة الأحواز الفضائية النايل سات 11595 -- V  3/4 – 27500

محمد سالم

منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة السورية، بنى النظام السوري سياسته الإعلامية على خطاب بات يكرره بأشكال متعددة إلى اليوم، والذي تمثّل بأنّه يحارب تنظيمات إرهابية وتكفيرية، ثم عمل مع حلفائه على تحويل هذه الكذبة إلى حقيقة بشتّى الوسائل، بما في ذلك انتهاج سياسة التعذيب والقتل والإرهاب الممنهَج، وإخراج بعض الجماعات من السجون، وصولًا إلى مسرحيات هروب السجناء المنتمين من تنظيم الدولة من السجون العراقية، والتحاقهم بالتنظيم من جديد، ثمّ ما كان يجري من إصرار النظام السوري على إجراء التغيير الديمغرافي من محيط دمشق باتجاه واحد فقط، وهو محافظة إدلب، الموسومة بالسواد لسيطرة «التنظيمات المتطرفة» عليها، خاصة بعد صدور القرار الأممي الواضح بالتأكيد على أن جبهة النصرة (سابقًا) هي تنظيم إرهابي.

لقد دافع الشعب السوري الثائر ببراءة ساذجة، ومن خلال مختلف مؤسساته (بما فيها الائتلاف السوري في ذلك الوقت) عن جبهة النصرة بعدما صنّفتها الإدارة الأمريكية على قائمة الإرهاب بناء على معلومات استخباراتية تفيد بارتباطها بتنظيم «دولة العراق الإسلامية»، وتبين فيما بعد صدق هذه الادعاءات بعد اعتراف الجولاني نفسه بارتباطاته السابقة بتنظيم دولة العراق، ثم قيامه بخدمة النظام السوري وحلفائه الخدمة الذهبية التي يتمنّونها (باعتراف الظواهري نفسه)، من خلال تجديد ارتباطه بالقاعدة الأم، وبيعته للظواهري.

من يراقب أعمال تنظيم القاعدة والسلفية الجهادية عمومًا عبر السنوات الطويلة، يدرك تمامًا أنّ أهمّ إنجاز لتلك الجماعات الوظيفية هي استنزاف دماء المسلمين السنة في صراعات دونكوشوتية (كما وصفها الشيخ أبو يزن الشامي)[1] لحساب أعدائهم!، كما حصل في العراق وغيره؛ حيث حمل السنة لواء مقاومة المحتل الأمريكي، ولكنّ الحصاد كان علقمًا مرًّا، حيث حصدت إيران وميليشياتها ثمار تضحيات السنة[2]، ولم يحصد السنة سوى الدمار لمدنهم، والتهميش لرموزهم، الأمر الذي بات واضحًا تكراره في القضية السورية، حيث تدفع الأكثرية الثمن الأكبر من الشهداء والدمار والتشرد والنزوح، فيما تحصد الفصائل الكردية ذات النزعات الانفصالية نتائج كل هذه التضحيات بدعم أمريكي واضح، لتسيطر على الأماكن الاستراتيجية الغنية بالنفط والغاز، ولتهدد وحدة الأراضي التركية على المدى البعيد، وما كان ذلك ليحدث لولا ما قدمته القاعدة وما تفرع عنها (تنظيم الدولة) من ذرائع شتى على طبق من ذهب لمختلف تدخّلات الغزاة، وما تسليم المناطق من أقصى شرق الحسكة إلى الضفاف الشرقية لنهر الفرات من قِبَل تنظيم الدولة إلا خير دليل على ذلك.

إنّ الانفكاك عن تنظيم القاعدة لن ينفع في حال كونه انفكاكًا شكليًّا، يهدف إلى المناورة والخداع السّاذج فقط، بينما تبقى السياسات المتبعة على الأرض واحدة، ويبقى التصنيف الدولي والإقليمي للجماعة واحدًا، وتبقى النتيجة واحدة، وهي أنّ إدلب وما جاورها تُعدّ لمحرقة كبرى باسم الحرب على الإرهاب، لتواجه مصيرها الأسود كما تواجهه الآن الموصل والرقة، والكثير من المدن والبلدات، من دمار وقتل وتشريد ومجازر بالجملة بمباركة دولية، ثمّ سيطرة لميليشيات متعددة الولاءات، لا تنتمي إلى النسيج المجتمعي الغالب في تلك المدن والبلدات المنكوبة.

علاوة على ذلك، يعاني الشعب السوري في الشمال السوري والمناطق المُحَرَّرة عمومًا من المراهقة السياسية والعسكرية اللامسؤولة لمختلف الفصائل، وما أدّى إلى ذلك من اقتتال داخلي، وتدخُّل في شؤون المجالس المحلية والمدنية، ومحاولة السيطرة عليها من ذاك الفصيل أو ذاك، ما أدى إلى فشل إداري على مختلف المستويات.

وقد تواترت التقارير التي تتحدث عن تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ بين مختلف الدول، فمناطق شرق نهر الفرات سوف تكون تحت النفوذ الأمريكي بعد طرد بقايا تنظيم الدولة منها، والمناطق الجنوبية ستخضع لتأثير النفوذ الأردني والإسرائيلي مع وجود محاولات إيرانية لزرع هلال ميليشياوي شيعي فيها، فيما تبقى المناطق الساحلية تحت سيطرة شبه مباشرة للروس، فيما تنتشر الميليشيات التابعة لإيران في مختلف المناطق الأخرى.

كما تواترت المعلومات الاستخباراتية التي تؤكد على أن هنالك حشودًا من الميليشيات في ريف حماة الشمالي، والتي تستعد للهجوم على المناطق المحررة في إدلب، وذلك بالتوازي مع هجمات من أطراف عفرين من قِبَل الميليشيات الانفصالية بدعم جوي روسي تحت غطاء الحرب على الإرهاب، الأمر الذي يُهدّد أمن تركيا القومي، فلا تريد تركيا أن تسيطر الميليشيات الانفصالية أو الميليشيات الشيعية على ما بقي من مناطق حدودية، لتقوم بعمليات التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي، والذي سيؤدي إلى أعداد كبيرة من اللاجئين على الحدود التركية، فتريد تركيا القيام بخطوة استباقية لهذا السيناريو من خلال فرض مناطق نفوذ لها في الشمال، يؤدي إلى سحب ذرائع الروس وغيرهم بوجود تنظيمات إرهابية في المنطقة، ولا يمكن لتركيا أو لأية دولة أخرى التحالف مع تنظيمات مصنفة على قائمة الإرهاب بقرار من مجلس الأمن، وتعدّ هذه فرصة ذهبية يمكن البناء عليها واستغلالها من قِبَل القوى الثورية باعتبارها مصلحة مشتركة مع الأتراك، بهدف تفويت الفرصة على النظام السوري وحلفائه، الذين يُعدّون سيناريو المحرقة لإدلب تحت غطاء الحرب على الإرهاب، خاصة بعد الاتفاق المذل الذي وقّعته الفصائل بإخراج من تبقى من أهالي كفريا والفوعة.

تحتاج المجاميع السكانية الموجودة في إدلب، والتي تتألف من مجموع السكان الأصليين، والمبعدين والمُهجّرين قسرًا من المناطق المختلفة (وآخرهم من وصل من حي القابون) إلى القوي الأمين الذي يرعى شؤونهم، ويعني ذلك البحث عن أحد أهم أسباب ومظاهر القوة، وهو تأمين نوع من الاعتراف والغطاء السياسي الذي يُسهّل عمليات الإغاثة الإنسانية، ومشاريع التنمية البشرية المختلفة، وليس إلى من يُوردهم المهالك عبر إيجاد الذرائع المختلفة لقوى الشرّ العالمية الكبرى لإفناء السُّكان، وطردهم وتشريدهم وفق المسلسل المعروف الذي خبرناه في سوريا والعراق بعد دخول مختلف الميليشيات إلى المناطق السُّنية التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة، ولهذا، فالواجب على العقلاء من مختلف الأطراف المدنية والعسكرية الترحيب بمثل هذا التدخل التركي، بل والمبادرة إلى الدعوة إليه وتسريعه، خاصة أنّه سيكون غطاءً سياسيًّا وعسكريًّا مع ترك الحكم المحلي وفق ما يريده أهل كل منطقة كما هو حاصل حاليًّا في المناطق القريبة من جرابلس، والتي بدأت تتعافى نسبيًّا، وليس التحريض على مثل هذا التدخل، والذي سيؤدي -التحريض- إلى إحداث اقتتال داخلي بين مؤيد ومعارض لمثل هذا التدخل.

وبدلًا من التحريض على المنابر، يمكن مناقشة الأمر بالحجج والبراهين، وإجراء استطلاعات للرأي داخل الأراضي المُحَرَّرة، للوقوف على حقيقة آراء مختلف الناس وأهل الرأي، وليس فرض الرأي بالقوة والبلطجة على الناس.

يبقى أن نقول: إنّ على القوى التي تعارض مثل هذا السيناريو أن تطرح حلولًا حقيقية بديلة لإنقاذ الشمال السوري من المحرقة التي تعدُّ له عاجلًا أو آجلًا، والتي بات كل عاقل يدركها ويدرك مآلاتها الأليمة، وسط التقارير العديدة التي تتحدث عن الحشود من أطراف حماة وعفرين، ووسط غياب للدعم الدولي أو الإقليمي، وربّما الحصار ضمن بقعة محدودة وموارد محدودة جدًّا مقارنة مع موارد وإمكانات تنظيم الدولة المختلفة من النفط والغاز وغيره، ورغم كثرة موارده وشراسة مقاتليه (تنظيم الدولة)، لم يتمكّن من الصمود أمام قوى التحالف، وهو أمر طبيعي، فلم تستطع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية الصمود رغم قوتها الهائلة وقدراتها العبقرية التصنيعية أمام الحلفاء في نهاية المطاف، على تلك القوى أن تطرح حلولها البديلة الواقعية بعيدًا عن الخطب والشعارات الرنانة التي تدغدغ مشاعر البعض بينما تجرّ المجموع إلى الهلاك.

المصدر: الدرر الشامية

ليصلك كل جديد على موقع القناة الجديد..

موقع قناة الأحواز الجديد‬‏

ahwazna - ahwz.tv – قناة الأحواز الفضائية – تابعنا على الموقع القناة الجديد ليصلك كل جديد -تردد قناة الأحواز الفضائية النايل سات 11595 — V  3/4 – 27500

للتواصل على بريد الموقع:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

[1] أبو يزن الشامي يعتذر لأهل الشام ومجاهديها ويوجه رسالة لـ«المقدسي» و«المحيسني». [2] وهو أمر لم ينكره حتّى الجولاني نفسه عندما سأله أحد الصحافيين عن ذلك، ولكنّه ناور بالقول: ولكنّ المعركة لم تنتهِ بعد!. بقلم: محمد سالم